العدد15626 الاحد26 شرين الاول 2014 بغداد شارع السعدون م 101 ز 42 ص ب

خريطة الموقع | اجعلنا صفحة البداية | راسلنا

في ليلة الهجرة النبوية !!ثماني تفجيرات ببغداد وضعها عناصر من أهالي المنطقة نفسها       داعش تعدم 20 ضابطا في الشرطة والجيش من أهالي الموصل جنوب المدينة       إحباط هجوم لداعش على جامعة تكريت       مليشياته تجاوزت ربع مليون !!سيستاني يدعو الى حماية الزائرين في شهر محرم       وضع حجر الأساس لتأهيل مناطق في الشامية بمحافظة القادسية       نائب عن الاتحاد الكردستاني يكشف ان الكويت مستعدة لإطفاء ديون العراق       إصابة ثلاثة اطفال بسقوط قذائف هاون جنوبي الضلوعية       توقيع بروتوكول مشترك بين البرلمانين العراقي والكويتي       استبعاد تنفيذ مشروع حذف الاصفار من العملة مطلع عام 2015       انخفاض مبيعات البنك المركزي الى 215 مليون دولار       

 


صحيفة العراق الالكترونية » ثقافة وفنون


المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية يعقد ورشة عن بغداد لمناسبة ذكرى تاسيسها

حجم الخط - | +

عقد المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية يوم السبت 17/11/2012م ورشة بعنوان " بغداد من أجل غد أجمل"، وقد تناول الموضوع بسطًا مبهرًا وشبه دليل سياسي لبعض انجازات تمدين ماضي بغداد الزاهر
ادارت الحلقة النقاشية الاستاذة الدكتورة وصال العزاوي التي تحدثت عن بغداد في زمن التحول والمتغيرات التي احدثها زلزال عام 2003 وما أحدثه الاحتلال الامريكي من دمار وخراب وتهديم لجماليات بغداد الا انه لم يستطع اجتثاث بغداد من ذاكرة العراقيين والبغدادين على وجه الخصوص .
وقدم الاستاذ الدكتور المهندس الفنان مازن عبد الحميد كاظم عميد كلية الهندسة في جامعة النهرين سابقا، محاضرة قيمة جاءت بعنوان المعالم التكنولوجية لمدينة بغداد ، تلاه تعقيبان مهمان من الباحثين الفاضلين:  الاستاذ الدكتور محمد باسل عبد الحميد ، والاستاذ الدكتور إحسان على فتحي، ركز الأول فيه على مخططات مدينة بغداد في ماضيها القريب، كما أشار الثاني إلى التعدد البغدادي للمدينة، والطمس الذي لحق بالمدينة المدورة، التي تحتاج الى بعث جديد يرد اليها على الأقل بعض الاعتبار، هذا مع تأشير الباحث أيضا إلى بعض الآثار كالمساجد والمآذن، وقبور بعض الأعلام (كالمستعصم، والسهروردي، ومعروف الكرخي) وغيره كثيرة.
د. مازن عبد الحميد كاظم.
نعلمُ  أنَّ  الخليفة َ المنصور هو الذي بَنى هذه المدينة َ العريقة َ المدورة َ-  بغداد، عامَ  مائَةٍ وخمسة ٍ وأربعينَ للهجرةِ 145هـ، وإنْ كانَ موقعُ بغدادَ قد عُرفَ ودُوّنَ أثـَرُهُ قبلَ  ذلك. وعندما بدأ المنصورُ العملَ كانَ معَهُ ما لا يقِلُ عن مائةِ الفِ مهندس ٍومِهْنيّ  وعامل ٍ من أجناس ٍ وأوطان ٍ شَتَّى .
ولكنَّ مِنطقة َبغداد كانت قد عُرِفـَتْ بِتِقاناتِها ضِمنَ حضاراتِ العراق ِالتي سَبَقَتْ بـِناءَ  المدينة.
التكلم عن التكنولوجيا البغدادية واسع جدا. ويمكن أن يشمل ما لا يعد أو يحصى من الأمور، كالزراعة والري والعمران والبناء والمواد والسباكة والفنون بأنواعها والأسلحة والطرق - إلى غير ذلك كثير. وهذا خارج عن الإمكانية كما هو واضح ولذلك سأختار بعض الجوانب التي لا يتم التطرق اليها في العادة.
لنأخـذ ْهـذه الحالة َالتـي قـَلَّما يُشارُ اليها، وهـي (نَضيـدة ُ بغـداد) أي (بطارية بغداد) التي  وجِدَتْ حوالي سنة مائتين وخمسين 250  قبل الميلاد. وتتكونُ هذه  النضيدة ُ من حاويةٍ  طينيةٍ مع  سِدادٍ قيريّ يتَخَللهُ قـَضيبٌ حديديُّ مُحاط ٌ بإُسطوانةٍ  نُحاسيةٍ. وعندما تملأ ُ الاسطوانة ُبالخَلِّ أو أيِ محلول ٍمُشابهٍ في مواصفاته تُنتِجُ هذه النضيدة ُجهداً كهربائياً  مقدارهُ  1.1  فولت.
يقولُ  العلماءُ  إنّ  هذه  النضائِدَ  كانت  تُستعملُ لبعض العلاجات وللطِلاءِ الكهربائيِّ  كالذَّهبِ والفضة على المعادِن الأخرى. وحينما نَعلَمُ أنَّ العالِمَ الكاونت ألاساندرو فولتا  volta الذي سُمِّيَ الفولت على اسمهِ ادعى الاختراعَ عامَ ثمانمائة والفٍ للميلاد  1800م  نرى  أنهُ  كانَ  متأخراً  بأكثرَ من الفي عام ٍ عن  العلماءِ  الذينَ  كانوا  يعيشونَ  في  مِنطقةِ  بغداد .
وقد وصف أحدهم نضيدة بغداد كما يلي

وجـرة    صـغـيـرة        بـديعة  عجـيـبـة
تحـوي على  تـقانة        بـجـودة  عـالـيـة
قـديمة  في عـمرها        جـديـدة  مـفـيـدة
ويـدعـى    بـأنـهـا        كــفـيـلـة  بـقـوة
علاج  شخص  يشتكي        من عـلل  كثيرة
وإنها  يـطلى  بها        أساورا من فـضة

ولكن  لنبدأ  المشوارَ  التراثيّ  التقانيّ  بالقصور ِ البغداديةِ، ولسنا  بِصَدَدِ  ذِكر ِ القصور ِ بتفاصيلَ دقيقةٍ  بما  فيها، أو  ذِكر ِ تأريخ ِ  بناءِ  كـل ٍ  منها، فَهذهِ  مواضيعُ  كَثـُرَ الحديثُ  عنها  عند  غيرنا،  مَنْ هُمْ  أقربُ الى  الاختصاص ِ،  مِن  مؤرخينَ  وآثاريين . ولكنْ  حسبنا  أن  نُشيرَ  الى  بعض  اللَّمحاتِ  الهندسيةِ  والفنيةِ  والتقانيةِ  التي  كانت  معتمدَة ً  في  عُمران ِ  بغداد.
عندما  نعلمُ  مثلاً، أنَّ  بعض  قـُصورِ  بغدادَ  كانَ  يضُمُّ  دوراً  وبساتينَ  ومسطحاتٍ  وقباباً  وأروقة ً وبـِـَركاً وأنهاراً، يأخذنا التحليلُ المنطقي أنّ هذا القصرَ أو  ذاك  هو  بِحدِّ ذاتِهِ مُجَمَّعٌ سَكَنِيٌّ يَضُمُّ دوراً أخرى ويؤوي عمالة ً كثيرة ً، وخِدماتٍ تقانية ً  متعددة َ  الأنواع ِ.
وفي وصفٍ لقصر ِالذهبِ، وهو قصرُ المنصور ِ الذي شَيَّدَه عِند  بناءِ  بغداد،  يقال إنّ  مِساحَتَهُ أربعُمائةِ ذراع ٍ في مثلها.
ولتقريب هذه المِساحةِ من اذهانِنا يمكن أن تحسبَ، بحوالىَ تسعينَ الفَ  متر ٍ مربع  أي  ما يعادل ستة ً وثلاثين  دونماً عراقياً.
وكانـت القصـورُ تتخللها أنهـارٌ صغيـرة ٌ وسَـواق ٍ تُطلـى أسـافِلـُها بالرَصاص  القلعيِّ الشديدِ البياض ِ لكي لا يَذهبَ الماءُ سُدَىً (من  جانب) ولجمال ِ انعكاساتهِ  اللُّجِّيةِ  (من جانبٍ آخر)،  ولإبقاءِ  مجاري  المياه سالكة ً ونظيفة ً ايضاً.
وهذه الظاهرة ُ بحد ذاتها تُثيرُ الخيالَ.  اذن هناكَ صناعة ُرَصاص ٍ دقيقة ٌ، وسَبْكُ  معادنَ عاليةِ التِقانةِ، وعَمالة فنية مقتدرة ٌ، وتحكُّمٌ  متطورٌ في الطبيعةِ، وحفاظ ٌ  شديدٌ على البيئةِ  والطاقـَة .

يقول  الشاعر :
مـاذا  ببغـدادَ  مِـنْ  طِيبِ  الأ َفانيـن ِ ومِـنْ  عجائـبَ  لِلـدُّنيا  ولِلدِّين ِ
ما بَين  قـُطْرُبُّل ٍ  فالكَرْخ ِ  نرجسـة ٌ تَنْدَى  ومَنْبِتُ  خِيْــِري ٍ ونسريـن ِ
تَحيا  النفوسُ  إذا  أرواحُها  نَفَحَتْ  وخَرَّشَتْ  بين  أوراق ِ الـرَّياحيـن ِ
سَقْياً  لتلك القصور ِ الشَّاهقاتِ وما بها  مـن  البَقـَر ِ الإنسيَّـةِ  العِين ِ
تَسْتَنُّ  دجلـة ُ  فيما  بينَها  فـَتَرَى دُهْـمَ  السَّفيـن ِ تَعالَـى  كالبَراذيـن ِ
مَنـاظــرٌ  ذاتُ  أبــوابٍ    مُفَـتَّحَـةٍ أنـيـقـةٍ  بـزخـاريـف    وتـزْيـيـن ِ
فيها القصورُ التَّي تَهْــِوي  بأجنحةٍ بالزَّائرينَ  إلى  القـــوم ِ المَزُورِين ِ
مـن  كـلِّ  حَرّاقــةٍ  يعلـو  فـَقارتَهَـا قصرٌ من الساج ِ عال ٍ ذو أساطين ِ

ولكي نذكرُ الآن الماءَ  الباردَ. يقالُ إنّ أهلَ بغدادَ أولِعوا بتبريدِ الماءِ بالثـَّلج ِ.  وقد  كانَ الثلجُ يُحمَلُ الى بغدادَ من أماكِنَ بعيدةٍ وكانَ  يُكبسُ في أماكِنَ يقالُ لها مَثالجُ  وكانت تحتَ الأرض ِومُعدَّة ً لذلك، وكانَ له ثـَمنٌ يتغير بينَ الصيفِ والشتاءِ، وبذلكَ  فإنه تجارة ٌ وصناعة ٌ رابحة ومعقدة ٌ تستعمل  فيها  تقنيات كالتي في أيامِنا هذه،  من مخازنَ معزولةٍ تحتَ الأرض ِ وكوابسَ وقوالبَ وأساليبَ قـَطْع ٍ ووزن ٍ  وحِفْظ ٍ إلى غير ِ ذلك.
وكان الناسُ  ينتهزونَ  سُقوط َ البَرَد ِ  (الحالوب)  في بغداد  وحواليها  فيجمعُونَه ،  وسُمِّيَ  كلُّ  من  اختصَّ  منهم  بهذه  الصَّنعَة ِ  ،  أي  جمع ِ  الثلج ِ  وخزنِـه  وتوزيعِه -  الثلاجون .
وقد  اجادَ  الشعراءُ  في  الإشارة ِ الى  الثلج  . ففي  احدى  الموسوعاتِ  الشعريةِ  العباسية وجدت (55) خمساً  وخمسينَ  اشارة ً  الى  كلمة  ثلج ٍ .  والى    (114)  مائةٍ  واربعَ  عشرة َ  إشارة ً  الى  كلمة  الثلج .
وكان  البغداديون  يُبَرِّدونَ  الفواكِهَ  بالثلج  قبل  تعاطيها  :
يقولُ  ابنَ  المعتزّ  (ولد  247 هـ  وتـُوُفِي  296 هـ)
أنعِم  بـِتين ٍ طابَ  طَعْماً  وَاكتَسى حُسناً  وَزانَ  مُضَرَّجــاً  مِـن مَنظَر ِ
في  بَردِ  ثَلج ٍ في  نَقا  تِبر ٍ وفَـي ريح ِ  العَبير ِ  وَطِيبِ  طَعــم ِ  السُّكَّر ِ
يَحكي  إِذا  ما  صُبَّ  فــي أطباقِـهِ خِيَماً  ضُـِربنَ  مِنَ  الحَريـر ِ الأحمَر ِ

أما أبو نؤاس فيقول :
قـُل  لِـزُهَير ٍ  إذا  اتَّكــا  وَشَــدا أقلِـلْ  أوَ  اكْـثِـرْ  فـَأنـت  مِهــذارُ
سُخِّنْتَ  مِن  شِدَّة ِ البُرودَةِ  حَتـــ تى  ِصـرِت  عِنـــدي  كَأنَّكَ  النارُ
لا يَعجَب ِ السامِعونَ  مِن  صِفَتي كَـذلِـكَ    الثَـَّـلــجُ    بــارِدٌ  حـــارُ

باردٌ  حارُ  صفة ٌ  لتأثير ٍ  في  جسم ِ الانسان ، متشابهة ٌ  بينَ  الحرارةِ  الفائقةِ  والبرودةِ  العاليةِ  القارصةِ  . ونَعْلَمُ  أنَّ  الحروق  الثلجية  لا تَقِلُّ  خَطـَراً  عن  الحروق ِ  الناريَّة ِ ،  ومعنى  ذلك  أنَّ  هذه  الحالة َ  الطبيّة َ  كانت  معروفة ً  في  بغدادَ  لدى  العباسيين .
وقد  اقترنَ  ذكرُ  الثلج ِ  مع  وزير ِ  المقتدر ِ بالله  في  بغداد  ،  وهو      ابو الحسن ِ عليٍّ  بنُ  محمدٍ  بن ِ الفرات ،  حيثُ  إنَّهُ  كانَ  كلما  تقلَّدَ  الـِوزارة َ  تَزيدُ  اسعارُ  بعض ِ  الموادِ  ومنها  الثلجُ  لكَثرَةِ  ما  كانَ  يستعمِلُهُ .  فكانَ  في  قصرِهِ  دارٌ  كبيرة ٌ  للشرابِ  وفيها  ماذيانٌ  يُجعلُ  فيه  الماءُ  المُبَرَّدُ  ويُطرحُ  فيه  الثلجُ  ويُسقى  منه  الشاربون .
وكان  عَضُدُ  الدولةِ  البويهيُّ  في  أواخر ِ أيام ِ  دولتهِ  ببغدادَ  قد  حَظرَ  صناعة َ  الثلج ِ  وجعلَه  خاصاً  بالسلطان . ولم  أجد  في  الأخبار  سبباً  لذلك  سبب قلته في مصادره في بعض السنين  لمنع ِ احتكار ِ هذه  الصناعةِ  التي  تهفو  النفوسُ  اليها  حيث  كانت  تَدُرُّ  أرباحاً  طائلة ً على  العاملين  فيها  .  ويقول  أبو اسحاق  الصابئ :

لَهْفَ  نَفْسي على  المُقَام ِ ببغدا      دَ  وشُربي  من  كُوز ِ ماءٍ  بثلج ِ

وحبُّ  اهل ِ  بغدادَ  للجوِّ  الباردِ  كان  منذ ُ القِدم ِ ومازال . وذلكَ  لحرارةِ  صيفِها . لذلكَ  بَرَعَ  البغداديون  في  هَنَدسة ِ وسائِل  التبريدِ  والتهويَةِ .    ومن  أهم  الطرق  المستعملة :
1- البناءُ  تحتَ  الأرض ِ  ويترتبُ  على  ذلك  تِقنياتُ  بناءٍ  عالية ٌ في  الأرض ِ  الصخريةِ  ، فكيفَ  ببغدادَ  التي  امتازتْ  أرضُها  بالرَخاوةِ  وتسريبِ  المياه  . وكان  " السردابُ " كما  يسمى  لدينا  حالياً  وهي  كلمة ٌ اصلُها  (سرد)  اي بارد ، ومن  (آب)  اي  ماء  ،  كان  بناءً  تحتَ  الأرض ِ  ويسمى  أيضاً  بالباذَهَنْج  وجمعُه  باذَهَنْجاتٌ .
قال أبو الحسن الأنصاريُّ :
ونفحـة ِ  بـاذَهَنْــج ٍ    أسكرَتنْــا وَجَــدْتُ  لرَّوحِها  بَــرْدَ  النعيم ِ
صفا  جَــريُ  الهوا  فيـه  رَقيقـاً فسميَّنـاهُ    راووقَ    النسيـم ِ

2- نَصْبُ  الخَيْش
الخَيْشُ  نسيجٌ  مُتَخَلخِلٌ  غليظ ُ  الخُيوط ِ  يُتّخَذُ  من  مُشاتَةِ  الكَتَّان ِ ،  وهو  أشبهُ  بما  نُسَمِّيهِ  اليومَ  بالْجُنفاص .
ويقالُ  إنَّ  الخَيْشَ  كانَ  الوسيلة َ المفضَّلة َ للتبريدِ  في  بغدادَ  أيامَ  الصيفِ ،  فكانَ  الخَيْشُ  يُنصَبُ  للخليفةِ  المنصور ِ على  الشرائِج  وهي جَدائِلُ  من  القـَصَبِ  تُجعَـلُ  على  الأبوابِ .

يقول  ابنُ  الروميِّ (221 - 283) هـ :
ومَحَلـــيْ    عَــاريَّــــة ٌ  وَجِـــــدارا تُ  بيوتــــي  فكلُّـهــا  منقـوبُ
ومَقيليْ  في الصَّيف  سُخْنٌ  بلا  خَيْــ ش ٍ  فعظميْ  يكادُ  منه  يذوبُ

أمّا  الرشيدُ  فكان  لا يُخَيَّشُ  البيتُ  الذي  فيه  لأنهُ  كانَ  يؤذيه  . ولكنَّه  كانَ  يُدْخَلُ  عليه  بَردُ  الخَيْش ِ ولا يَجلِسُ فيه . وكان  يُؤتَى  بغلائل ِ القَصَبِ  فتُغمَسُ  بالطِيبِ  والزَعفران ِ  وماءِ  الوردِ  ، فَيدخُلُ  البيتَ  الهواءُ  الباردُ  المُعَبَّقُ  بالبخور ِ  والطـِّيبِ .

3- المِروحة
طريقة ُ الخَيْش ِ  والشرائِج ِ  والطِّيبِ  تعتمدُ  على  تَخَلُّل ِ الهواءِ  بشَكل ٍ طبيعيّ . أما  المِروحة ُ  فهي  تطويرٌ  جذريٌّ  على  هذه  الطريقةِ  البغداديةِ.
ويقال  إنّ  سَبَبَ  حدوثِها  أنّ  هارونَ الرشيدَ  ،  دخلَ  يوماً  على  أختهِ  عُلَيَّة َ بِنتِ المهديِّ  ، في  قيظٍ  شديدٍ ، فألفـَاها  قد  صَبَغَتْ  ثياباً  من  زَعفـَران ٍ  وَصنْدَل ٍ ، ونَشَرتْها  على  الحِبال ِ  لِتَجِفَّ . وحينما  جَلسَ الرشيدُ  والرِّيحُ  تَمُرُّ  به  عَبرَ  الثيابِ  وهي  بليلة ٌ عَطِرة ٌ  وَجَدَ  لذلك  راحَة ً  من  الحرِّ واستطابَهُ  ، فـَأمَـرَ  ان  يُصْنَعَ  في  مَجلِسِهِ  مِروحة ٌ من الخَيْش ِ تكونُ  شبيهة ً  بشراع ِ السفينةِ  وتُعلَّقُ  في  سَقْفٍ  ويُشَدُّ  بها  حَبلٌ  يُحرِّكُها  ، َوتُبَلُّ  بالماءِ  َوتُرَشُّ  أحياناً  بماءِ  الوَرْدِ  . فإذا  أرادَ  الإنسانُ  أن  يَنامَ  جَذَبَها  بِحبلِها  فتذهبُ  جِيئة ً وذَهاباً  فيَهُـبُّ  بسببِها  نسيمٌ  بارِدٌ  َطيِّبُ  الريح ِ .
4- الحمام
ومن الفعالياتِ التي تَجْدُرُ الإشارة ُ اليها الحمامُ الذي ترعرعَ وتطّورَ في بغداد ، وان  كان  للحمام  البغدادي  نظراءُ  سبقوه  في الأندلس ِ والشام ِ . ولكنَّ ما يجعلُ  الحمّامَ  البغداديَّ  خاصاً  ، من  الناحيةِ  التقانيةِ  ،  ان  أرضَ  بغدادَ  أرضٌ  رخوة ٌ  طينية ٌ مسطحة ٌ وهناك  حاجة ٌ  لِتقانةٍ  عاليةٍ  في مجموعةِ  عواملَ  ،  منها  أنَّ  الماءَ  لا ينسابُ  انسياباً  طبيعياً  من  الأعلى  الى  الأسفل  كما  هو  الحالُ  في  المناطق ِ  ذاتِ  الطابع ِ الجبليِّ  كالأندلس ِ والشام ِ .  ثم  إنَّ  موادَّ  البناءِ  المناسبة َ  للأمور ِ المائيةِ  يجبُ  ان  تُجلبَ  من  أماكنَ  بعيدةٍ  ،  كالصخور ِ  والمرمر ِ  والبلاط  .  كذلكَ  فإنَّ  المياهَ  الجوفية َ الحارة َ  والخالية َ من  الشوائِبِ  لا توجَدُ  في المِنطقةِ  كي  يتمَّ  استعمالـُهـا  كما  هو  الحالُ  في  حمّاماتِ  المناطِق ِ  الأوروبيةِ  ونافوراتِها  ذاتِ  الطابع ِ  الجبلي  أو المشابهةِ  لها  . ثم  هناكَ  مشكلة ُ  تصريفِ  المياهِ  في  مِنطقةٍ  مستويةٍ  مثل ِ  بغداد  .
يُعزى  ظهورُ  الحماماتِ  الاسلاميةِ  وتطورُهـا  إلى  جيوش ِ  الفتح ِ  الاسلاميِّ  الأول  حينما  اطلع  المسلمون  على  الحماماتِ  الرومانية  التي  كانت  قائمة  آنذاك  خصوصاً  في  الأناضول  والشام  ، ويُدَّعى  أنَّ عربَ  الجزيرةِ  كانوا  يستعملونَ  الماءَ  الباردَ  للاستحمام ِ (هنا  تكمُنُ  الحاجة ُ  الى  تدقيق ِ  مثل ِ  هذا  الادعاء ) .
وقد  بدأت  الحماماتُ  بالتطور ِ  بعد  ان  جُعلت  للمساجدِ  المهمةِ  حماماتٌ  للوضوءِ  والاغتسال ِ  خاصة ٌ  بها .  وكانت  صغيرة ً  وذاتَ  مراحلَ  وتأخذ ُ  طِرازاً  خاصاً  يعتمدُ  على  المتطَّلباتِ  العقائديةِ  الاسلاميةِ  مقارنة  بالحماماتِ  الرومانيةِ  الكبيرةِ  المفتوحةِ  التي  تأخذ ُ  بنظر ِ  الاعتبار ِ  تأمينَ  رياضةٍ  ولهو ٍ  للمستحمين  . كما  إنَّ  العربَ  المسلمين  لم  يقبلوا  بمبدأ  ان  يستحمَّ  الشخصُ  بمحيطٍ  مغلق ٍ من  الماءِ  لأسباب ٍ  صحية ٍ  واضحة .
كما  كانت  الحماماتُ  الاسلامية ُ  تسقَّفُ  بقُبةٍ  ( أو قـُبَبٍ )  بَدلاً  من  السقفِ  المفتوح ِ للحمامات  الرومانية . وظهرَ  في  حماماتِ  بغدادَ  في  عصرها  الزاهر ِ ليسَ  فقط  صاحبُ  التدليك ِ (المَسَاج حالياً)  وإنما  الحلاقُ  الذي  لم  يكنْ  يقـُصُ  الشعرَ  فقط  وإنما  كان  يقومُ  ببعض  الفعالياتِ  الطبيةِ  ايضاً  كالحجامة  وكذلك غـَسْـل ِ الزبائن ِ غسلاً  فنياً . وكانت  العادة ُ ان لا يدخلَ  الحمامَ  مَنْ  أكلَ  الثومَ  وكانت  تُناط ُ  بالحلاق ِ وصاحبِ  التدليكِ  مهمة ُ  تنظيفِ  أسفل ِ الأقدام ِ  من  التليُّفِ  الذي  كان  يُعتقدُ  انه  يسبِبُ  زيادة ً  في  الروائح ِ  غير ِ المستحبةِ  في  الحمام .
أما  استعمالُ  الحمام ِ في  بغداد  للأغراض ِ الاجتماعيةِ ، ومن ذلكَ  الاغتسالُ  للمناسباتِ  ،  ومقابلة ُ  الآخرين  ،  والاستماعُ  الى  القال ِ والقيل ِ ،  وحتى  أخذ ُ بعض ِ الأطعمةِ ،  فأمرٌ  معروفٌ  لدينا  ونذكُره  الى  يومنا  هذا ، وما  المَثلُ  (حمام نسوان)  إلا  نابعٌ  من  مثل ِ هذه  العادات .
وكان  البغداديون  يتمتعونَ  ايضاً  بالسَّهر  والاستماع ِ الـى  الأغانـي والموسيقى  في  الحمام  .

يُنشِدُ  الورغيُّ :

ياليلة َ الأ ُنس ِ  بالحمّام ِ  لا بَــِرحَتْ  ساعــاتُ حسنِكِ في طِيبٍ وفي َطرَبٍ
بتنا  بهـا  والنجومُ  الزُّهْـرُ  تـَلْحَظـُنا والبَــدرُ مـن  بينِها  يَنحَط ُّ في  حَبَبِ
في  مَحْفـَل ٍ  كُلُّهُـمْ  سَمعٌ  إذا  َطلَعَتْ زهْرُ  المعانيْ  وقد  نادَتْهُ  من  كَثـَبِ
يُديرُ  من  نـــادِر ِ الأشعـار ِ مُنشِدُهُمْ فيُعْجَبُــونَ  بهـا  لا  بـِابـنــةِ  العِنَـبِ
وللرَّبابِ  بهِ  زَهْـوٌ  و  حَــقَّ  لـــه والعُودُ هَمْهَـمَ  كالغضبان ِ ذي  الأدبِ
والطـَّارُ  كالطير ِ في  أجراسِهِ  حَنَقٌ والنايُ  قال أنا المخصوصُ بالشَّنَبِ
ما كانَ  أسْرَعَ  ما  لاحَ  الضياءُ  بها والليلُ من سَيفِهِ قد  جَدَّ  في  الهَرَبِ
عُـودي  ولـو  مَـرّة ً  ،  إنِّي  لَمنتَظِرٌ فربـمـا  جــاءَتِ  الآمـالُ  بالعَجَـبِ

ويقولُ  ابنُ  دانيالَ المَوْصِليُّ  :
أخَذوُا  الماءَ  مـن  مجاريــهِ  باللُّطـْـ فِ    وحُـيِّـيْ  مَجـيـئُـه  بـالسَّـــلام ِ
أيُّهــذا  الحــمّــامُ  أنـتَ    نـعـيـمي  وجحيمــي    وصحتــي    وسَقامــي

وفي  ايام ِ  المُسترشدِ  بالله  العباسيّ  قيل  أنَّ  حمّاماً  بناهُ  أبو القاسم عليٌ بن أفلَح ٍ  كانَ  فيه  آلة ٌ  تسمى  البتيول  ، إنْ  فـَركَها  الانسانُ  يميناً  خَرجَ  الماءُ  حارّاً  وإن  فركها  شمالاً  خرجَ  بارداً  . يُحَتِّمُ  هذا  الأمرُ  كثيراً  من  التقانات .
1- وسائلُ  تسخين ِ الماء .
2- حَمْلُ  الماءِ  الحار ِّ  والماءِ  البارد  من  مكان ٍ الى  آخر  بشكل ٍ كَفِيّ .
3- استعمالُ  المعادِن ِ  أو  الاخشابِ  أو كليهِما  في  الآلات .
4- تصريفُ  المياهِ .

5- الفنون
يُمكنُ  ابرازُ  فـُنون ِ النِّجارةِ  والحفر ِ على  الخشبِ  والنحتِ  على  الحجر ِ والآجر ِ والجصِّ  وصناعةِ  الفخّار ِ والخزفِ  البغداديةِ  كرمز ٍ للفنون ِ الاسلاميةِ  .  ان  الطابعَ  البغداديَّ  الاسلاميَّ  انتشرَ  فـي  كل ِ  بـلادِ  المسلمين ، حيثُ  كانت  بغدادُ  عاصمة َ العالم ِ  والتقت  فيها  كلُّ  الفـُنون ِ الأخرى  فـَصُهِرت  في  بغدادَ  وَخَرَجَتْ  عنها  صفة ٌ بغدادية ٌ اسلامية ٌ انتشرت  في  كلِّ  بِقاع ِ العالم ِ المعروفِ  آنذاك  بما  فيها  أفريقية  وجنوب  أوروبا  .
وبالنسبةِ  لأعمال ِ  الحفر ِ  على  الخشبِ  يُعتبر  مِنبرُ  القيروان ِ الأولَ على المنابر ِ  في  عالم  النجارةِ  والحفر ِ البغداديةِ  . لقد  سَلَم  هذا  المِنبرُ  الذي  صُنعَ  ببغدادَ  من  خشبِ  الساج ِ أيام  هارون ِ الرشيدِ  وجُلِبَ  من  بغدادَ  الى  تونسَ  في  سنةِ  ثمان ٍ وأربعينَ  ومئتين ِ للهجرة  ( = 862 م)  ،  واستَقـَرَّ  في  جامع ِ القيروان ِ الى  يومِنا  هذا  . وَتَـفَـنَنَّ  البغداديونَ  في  الأعمال ِ الخشبيةِ  في  جوانِبِ  المنابر ِ ،  والنقوش ِ على  الأبوابِ  ،  وتزيين ِ  سُقـُوفِ  الدّور ِ  بالخشبِ  الساج ِ  المُذهَّبِ .  كما  تَـفَـنَـنّوا  بـِصناعـةِ  الأبوابِ  والأدواتِ  والآلاتِ  الخشبيةِ  للاستعمال ِ وللزينةِ .
يَظْهَرُ فـَنُّ  النحتِ  في  العصور ِ الاسلاميةِ  الأولى  ، على  ما  بقيَ  من  الزخارفِ  في  المساجدِ  والمدارس ِ والقصور ِ والمنازل ِ ،  التي  شُيِّدت  في  العراق ِ  أيامَ  حُكم ِ  خلفاءِ  بني  العباس .
انّ  النشاط َ الفنيَّ  العظيمَ ، في  العصر ِ العباسيِّ ، يَقترنُ  بنشأةِ  مدينةِ  بغداد ، وبتأسيس ِ مَقـَرِّ  الخِلافةِ  الوقتي  في  سامراء ، على  نهر ِ دجلة .
وعندما  جاءَ  السلاجقة ُ الأتراكُ ، وفـَتحوا  العراقَ  في  أواخر ِ النصفِ  الأول ِ من  المئةِ  الخامسةِ  للهجرة ، نَتَجَ  عن  ذلك  ان  تطورت  فنونُ  الزخارفِ  . فقد  شاعَ  في  أيامِهم  نحتُ  الأشكال ِ (الآدميةِ  والحيوانيةِ) على  المباني  والقناطِر ِ وأبوابِ  المُدُن ِ الكبيرةِ  كبغدادَ  والموصل .
وكان على  بابِ  الطِلَّسَم ِ  ببغداد ،  الذي  يرتقي  الى  سنةِ  ثماني  عشرة َ وستمائةٍ  للهجرة  ( =  1221 م) ، نقشٌ  يتضمنُ  اسمَ  الخليفةِ  العباسيِّ  الناصر ِ لدين الله  ،  ويُزينُ  عَـقْـدُ  ذلك  البابِ ، نقشٌ  بارزٌ  يُعتبرُ  من  أحسن ِ  الأمثلةِ  المعروفةِ  للنحتِ  وموضع ِ  النقش ِ ، يمثلُ  الخليفة َ  وهو  جالسٌ  وعلى  جانبيهِ  تنينان ِ  قد  انعقـَدَ  جِسمُ  كل  منهما ، وتكسو  الأرضية ٌ  زخارفُ  التوريق ِ  الدقيقةِ  الجميلةِ .
ويقول المرحوم  ميخائيل عواد  :
في  صدر ِ الدولةِ  العباسيةِ ، شاعَ  ببغدادَ  اسلوبُ  نَحتٍ  أ ُطلقَ  عليه    بـــ (النحتِ المشطوف)  .  وأساسُ  هذا  الأسلوبِ  ان  تُنْحَتَ  العناصرُ الزُّخرفية ُ نحتاً  مائلاً  ، وتُقابلُ  حوافيها  بعضها  ببعض ٍ في  شَكل ِ زوايا  منفرجةٍ . واتُبعت  هذه  الطريقة ُ الزخرفية ُ ايضاً  في  النحتِ  على  الحَجَر ِ  والخشبِ  . وفي  متحف  متروبوليتان  في  نيويورك ، تاجُ  عمودٍ  من  المرمر ِ ، جميلٌ  للغايةِ  ، يتمثلُ  فيه  النحتُ  المشطوفُ ، يرتقي  الى  أيام ِ هارون الرشيد .
وكان  للجصِّ  الصدارة ُ في  ميدان ِ الزخرفةِ  والريازةِ . فقد  اتُّخذ  في تزيين ِ  المساجدِ  ، والقـُصور ِ ، ومنازل ِ  العظماءِ  ، وسُراة ُ القوم ِ يومَ  ذاك . وكانت  الزخارفُ  على  العموم ِ مُتقنة ُ الصنع ِ ، تُمثـِّل  مناظرَ  الصيدِ ، وحفلاتِ  قـُصور ِ  الخلفاءِ  والأمراءِ  والسلاطين  ببغداد  ، في مجالسهم  ،  ومن حولهم  :  الجندُ  وأفرادُ  الحاشية .
وتتصدرُ  زخارفُ  القصر ِ العباسي  والمدرسةِ  المستنصرية  ببغداد ، المكانة  الأولى  بين  زخارفِ  العماراتِ  في  العراق  ، بل  ليسَ  لها  نظيرٌ  في  أي  مكان ٍ  من  البلدان ِ الأخرى  خارج  العراق .
صُنعت  زخارفُ  هذا  القصر ِ من  الآجر .  ونظراً  للدقةِ  المتناهيةِ  والمهارةِ  الفائقةِ  التي  امتازات  بها  زخارفُ  هذا  القصر ِ .  فقد  خُيل  لبعض ِ العلماءِ  أنَّ  تلك  الزخارفَ  صُنعت  من  الجُصِّ ، حيثُ  صُبَّتْ  بقوالبَ  خاصةٍ .
تتكونُ  تلك  الزخارفُ  من  تلاصق ِ  قِطَع ٍ  من  الآجر  بعضِها  ببعض ٍ فهي ، ذاتُ  أشكال ٍ وحجوم ٍ مختلفة . كلُ  قِطعةٍ  محفورةٍ  ومنقوشةٍ  بنقوش ٍ  خاصة .
ان  الاشكالَ  التي  تتكونُ  من  تلاصُق ِ هذه  القطع ِ ، هندسية ٌعلى العموم . أما  النقوشُ  المحفورة ُ على  كُلِّ  قطعةٍ  منها ، فهي  َزهريّة ٌ على  الأكثر .
يتصدّرُ  الخَزَفُ  العباسيُّ  المُحَلى  بزخارفَ  ذاتِ  بريق ٍ  معدنيّ  ،  المكانة َ الأولى  بين  زخارفِ  العالم ِ الاسلامي  يوم  ذاك .
ويُقسَّمُ  الخزفُ  العباسيُّ  الى  مجموعتين  ( الأولى  تَضمُّ  جِراراً  كبيرة ً مغطاة ً  بـِدهان ٍ  بَرّاق ٍ  أزرقَ  أو  أخضرَ ، عليها  زخارفُ  بارزة ٌ  مكونة ٌ من  أشرطةٍ  وتفريعات  نباتيـة )  . أما  المجموعـة ُ الثانيـة ُ ،  فتتكونُ  مـن  أوان ٍ أكثـر  ِرقـَّةٍ  ،  تشتملُ  علـى  صُحون ٍ صغيرةٍ  ، وسلطانياتٍ ،  وقواريرَ  ومسارجَ ، وأقداح ٍ ،  وكؤوس ٍ ،  وعُلبٍ ، ومباخرَ ،  وشماعِدَ  ، وبيوتٍ  للطيور ِ، ومساندَ  للأقلام ِ، وتماثيلَ ، وشبابيكَ  القِلَل ِ ، وأشياءٍ  أخرى  لا تُعدُّ  ولا تُحدُّ .
انَّ  صناعة َ  " البريق ِ المعدنيّ "  كانت  حقاً  من  الابتكاراتِ  التقانيةِ العظيمةِ  التي  اهتدى  اليها  الخزافون  المسلمون  في  المئتين  الثانيةِ  والثالثـةِ  للهجـرة  .  وقـد  اخرجت  لـنـا  حفرياتُ  بغدادَ  وسامـراءَ  ، مجموعة ً على  جانبٍ  كبير ٍ من  الرَّوعةِ  والبهجةِ ، منها  :  بلاطاتٌ  فاخرة ٌ ،  جميلة ٌ الصَّـنعةِ  ،  ذاتُ  رُسوم ٍ من  لون ِ واحدٍ ، أو  أكثرَ  من  لون ٍ .
وكذلك  كان العملُ  المعدنيُّ  للأوانِيْ  والجِرار ِ مع  ما  عليها  من  الزَّخْرَفةِ  العباسيةِ  الجميلةِ.
واشْتُهِرت  بغدادُ  ايضاً  بأعمالِها  النسيجيَّةِ  المزخرَفةِ  بالخَط ِّ  أو  مشاهدَ  اجتماعيةٍ  وتأريخيةٍ .  بيد  أنّ  هذه  لمْ  تُحفظ ْ  كما  حُفِظَتْ  مثيلاتُها  في  المدن ِ الاسلاميةِ  الأخرى  ذاتِ  الجو  والبناءِ  الذي  يتأثرُ  بشكل ٍ أقلَ  مع  مرور  الزمن .
إذن :  بغدادُ  العزيزة ُ .  أيَّتُها  المدينـة ُ  الصامـدة  .  يامـن  تنصهِرُ  بحاضرتِها  موجاتُ  المعتدين  فيتبنون  بعد  فترة  وجيزة  حضارتها ،  ستبقـَيْـنَ  شامخة ً  عزيزة ً  جميلة .

د. باسل محمد
مدينة بغداد كما هو معروف اسسها ابو جعفر المنصور، لكنها اسست على موقع ساساني،  وكانت فيها آثار وسكن، وهي مدينة قبل أنّ يقدم ابو جعفر على بنائها.
ولكي نرجع الى تخطيط المدينة فانه في نهاية القرن التاسع عشر، بدأ السلطان العثماني مدحت باشا، يهتم بتخطيط مدينة بغداد بإنشاء الحدائق والشوارع العامة، وفي عام 1936م وضع اول مخطط حديث لمدينة بغداد من شركة بريطانية وكان مخططا بسيطا جدا، ومن ذلك التاريخ لم يوضع مخطط نموذجي لبغداد، الا مرتين الاولى في الخمسينيات في عام 1959م، وكان مخططا هزيلا جدا، ولم يعر لنهر دجلة أي اهتمام، وأدار ظهره الى النهر، وفي المرة الثانية بداية الثمانينيات وضع مخطط اساسي افضل من المخطط الاول، ومن ذلك التاريخ لم ينجز تخطيط تنموي شامل لمدينة بغداد، باستثناء بعض المناطق مثل شارع حيفا، وبعض مناطق الكرخ. فهذه المدينة التاريخية العظيمة خلال الـ 100 سنة الماضية لم تخطط تخطيطا سليما، الا ثلاث مرات وهي مخططات يمكن أنّ اقول بالية، ومن المفروض من كل هذه المخططات ان تهتم بالنهر، لكي تحافظ على هوية المدينة القديمة التي اهتمت بالنهر أساسا.
وكانت الجهة المسؤولة عن تخطيط مدينة بغداد، هي وزارة البلديات، وقد فصلت في السبعينيات امانة العاصمة عن وزارة البلديات ولغاية هذا التاريخ لم تنجز هذه المؤسسة عملاً تخطيطيًا جيداً لمدينة بغداد، كما أنّ الكثير من العواصم العربية والاجنبية المتميزة، اكتشف أنّ امانات العاصمة ليست الجهات المناسبة لوضع مخططات تنموية للمدن الرئيسية، لانها تكون منهمكة في قضايا جمع النفايات، والوسائل الخدمية، وتترك قضية التخطيط، وتجعل المدينة تتهالك مع الوقت، ومن المعروف ان مدينة بغداد يسكنها 7 مليون نسمة فهي بعد مدينة القاهرة، من حيث حجم المدينة السكاني.
ان مدينة بغداد تعاني من مشاكل عمرانية غير مدروسة، وينبغي انشاء هيئة منفصلة عن امانة العاصمة، ولا ترتبط فقط برئاسة الوزراء فقط وانما برئاسة الجمهورية ايضا، وإن تشكيل هيئة تهتم بتخطيط مدينة بغداد، قد يخلص بغداد من مشاكل التخطيط العمراني.
د. احسان فتحي
إن الطريقة التي بنيت بها مدينة بغداد تدل على انها مدينة للحكم مدينة للسلطة والحاشية، ولذلك اتت مدورة، وما يدلل على ذلك هو طرد جميع الاسواق من داخل مدينة بغداد الى الخارج، فتنمو مدينة الكرخ، وثمة عدة مدن اسمها بغداد، الاولى هي مدينة بغداد المدورة، والتي تقع اثارها الآن تحت منطقة الشالجية، وبالتأكيد هي موجودة تحت سطح الارض، والثانية هي مدينة الكرخ وهي في الاصل مدينة ارامية قديمة اسمها كرخايا، ومدينة بغداد ليست ساسانية وانما بابلية وهي اقدم من الحقبة الساسانية بكثير، ووجود مسناة نبوخذ نصر في مدينة بغداد خير شاهد على ذلك، ومبنية من الطابوق البابلي، وهي خير دليل مادي على ان مدينة بغداد بابلية، وهناك مدينة اخرى وهي مدينة الرصافة الاولى بناها المهدي بامر من الخليفة المنصور وهي منطقة الشماسية (الاعظمية)، وهناك مدينة رابعة هي مدينة الرصافة التي نعرفها الان، وهي مدينة مسورة على شكل مستطيل، ومحاط بأربعة ابواب: باب المعظم، وباب الوسطاني، وباب الطلسم، وباب كلواذا، وهي المدينة التي نمت منذ سنة 900م  وهي المدينة الحقيقية التي نسميها بغداد، والتي تغنى بها الشعراء وليست مدينة بغداد المدورة.
ولكن نريد ان نعر ف اين مدينة بغداد المدورة؟ بالتأكيد لو تجرى عملية تنقيب لمدينة بغداد، فسيعثر على اسس الاسوار الدائرية واذا تم ذلك فسيكون هذا الاكتشاف من اهم الاكتشافات في تاريخ الانسانية.
والسوال الآن ماذا تبقى من مدينة بغداد؟.
• عثر على محراب في جامع الخاصكي في الرصافة ويعتقد المؤرخون انه محراب جامع المنصور وهذا المحراب موجود في المتحف العراقي
• أصول نقود ذهبية كثيرة ودراهم مضروبة في دار السلام هذه النقود موجودة في مختلف متاحف العالم.
• اما عمرانيا فماذا تبقى من آلاف الابنية من مدينة بغداد؟ نقول بقي سبع شواخص وهي:
1- المدرسة المستنصرية.
2- القصر العباسي: ويقع بالقرب من وزارة الدفاع، واعتقد أنّه مدرسة وليس قصر وتسمى المدرسة الشرابية.
3- قبر ومسجد عمر السهروردي (وهي منطقة الشيخ عمر)، ويوجد الى جنب هذا القبر قبر آخر وهو قبر المستعصم العباسي اخر الخلفاء العباسيين، ويوجد قبر اخر في مدينة الاعظمية يعتقد انه قبر المستعصم بالله، لكني اميل إلى وجود قبره في منطقة الشيخ عمر.
4- مأذنة جامع الخفافين، وهو مجاور للمدرسة المستنصرية.
5- مأذنة جامع الُقمرية.
6- باب الوسطاني، وهو احد ابواب مدينة الرصافة.
7- قبة زمرد خاتون، وتقع بجانب معروف الكرخي.
إن نسبة الهدم والاندثار كانت كبيرة جدا، وذكر ابن بطوطة ان بغداد كان بها مئات الحمامات ولكنها اندثرت، مثل حمام يتيم، وحمام الباشا، ويمكن القول أن بغداد فقدت النسبة الساحقة من اثارها.
وفي الفترة العثمانية تقلصت بغداد، وانحسرت الى الرصافة فقط، ولم تخرج المدينة من اسوارها حتى مجئ مدحت باشا عام 1869م، فبنى القشلة والسراي، كما قام ببناء الترام ( سكة حديد) الذي تجره الخيول، واحدث هزة تخطيطية في المدينة.
وفي عام 1956م، حدث توسع كبير في المدينة، عندما تم انشاء مشروع الثرثار،  فتخلصت من خطر الفيضان.

 

  التعليقات: 2

"صحيفة العراق الالكترونية" ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الإساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر أي رد يحتوي شتائم.
كما ترجو الجريدة من المعلقين إدخال الاسم والبريد الالكتروني وتجنب الأسماء المستعارة، ويفضل أن تكون التعليقات مختصرة.



[ مواضيع ذات صلة ]

  عجرم : ساحيي اولى حفلات العيد السعيد ببغداد ان سمحت الظروف لذلك


  انتعاش سوق بغداد التجارية بالطيور النادرة


  الديمقراطية التوافقية وفق المنظور العراقي


  إطلاق دراسة حول الفساد والنزاهة في القطاع العام العراقي


  الثابت والمتغير في انتخابات البرلمان العراقي لعام 2014 من سانت لاغي إلى دي هونت


المشاركة السابقة : المشاركة التالية
صحيفة العراق الالكترونية
أود ان اذكر ما يتعلق ببناء بغداد وارجو من الباحثين الكرام الادلاء بدلوهم العلمي واسباب تجاهل دور ابي حنيفة النعمان رحمه الله في بنائها فقد اوكل الخليفة  المنصور مهمة بناء بغداد الى اربعة مهندسين هم عبد الله بن مجرز / الحجّاج بن أرطأة / عمران بن الوضّاح / شهاب بن كثير ) وقسّم بينهم العمل ومن معهم من المساعدين والمشرفين  وطلب من ابي حنيفة ( النعمان بن ثابت ) رحمه الله وكان عمره ان آنذاك 65 عاما ان يكون هو المشرف على العمل وكان يعمل في كلّ يوم  خمسون الف رجل.  .
وقد اشرف ابو حنيفه رحمه الله على ادارة الشؤون المالية وتخمين الجدوى الذي كان قد استحدث طريقة رياضية سبق له ان استعملها في بناء مدينة واسط، وذلك بحساب عدد مداميك الاجر بواسطة قصبة مدرجة ليتسنى له عند ضربها مع معامل حجم الاجر الى حساب كمية العمل المنجز والتي يصرف على ضوئها أجرة البناء.
فيما هناك معلومات تؤكد ان ابا حنيفة تعلم الهندسة بمصر حيث مكث فيها حوالي 3 سنوات لغرض التهيؤ لبناء بغداد والله اعلم
علاء لفتة موسى



اوي
اني اسمي لي


إضافة تعليق سريع
* كاتب المشاركة :
النص : *
طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :



 
   
أهم الاخبار
  • شاهد الشروط :مؤسسة الخنجر تفتتح مدرسة نموذجية للمهجرين بأربيل
  • عفية !!ديمبسي لـCNN: سنمنح المساعدة لمنع سقوط بغداد
  • ندوة للمركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الخميس عن (برنامج حكومة العبادي الممكن والصعب والمستحيل)
  • مقتل البرلماني من فيلق بدر أحمد الخفاجي بتفجير مفخخة خرجت من زقاق جامع جلال الصغير
  • مصادر أمنية لـCNN: الجيش العراقي ينسحب من قاعدة "عين الأسد" بالأنبار ويحرق معداته بعد هجوم
  • رئيس اركان الجيش الامريكي:ستقصف بغداد بالصواريخ خلال ايام قليلة قادمة
  • الدراما التاريخية تسيطر على مهرجان لندن السينمائي
  • التحالف الدولي للانتحاريين ..عراقيان على الكاظمية والشعلة وتركي وسعودي وألماني على البيشمركةبديالى
  • انزال جوي للعلوج المارينز الامريكان على مصفى بيجي بمحافظة صلاح الدين ومقتل قائد شرطة الانبار
  • انزال جزي للعلوج المارينز الامريكان على مصفى بيجي بمحافظة صلاح الدين
  • الرئيس أوباما: مواجهة الدولة الاسلامية مهمة صعبة وسوف تستغرق وقتاً
  • الرئيس الأمريكي أوباما يعقد اجتماعا فوريا بالبنتاغون بعد نشر الدولة الإسلامية خارطة جديدة لنفوذها
  • انتحاري سوري بشاحنة 4 طن وانتحاري صيني من هونك كونك وإسقاط هليكوبتر ومقتل طياريها
  • العراقيون يستذكرون بطولات جيشهم الباسل عام 1973 حيث حمى دمشق من السقوط وحرر سيناء
  • يونامي: 3065 قتيلا وجريحا بالعراق عدا الانبار و352 قتيلا ببغداد التي كانت تسمى مدينة السلام
  • مؤسسة الخنجرللتنمية العلمية تواصل ابدعها وتألقها بتخريج ابنها وليد عباس محمد زويد
  • الشيخ خميس الخنجر:العشائر العربية لن تسمح للميليشيات بدخول المحافظات المنتفضة بحجة قتال الإرهاب
  • حرب أميركا على العراق وسوريا تكلفها 87 دولاراً بالثانية وسعر توماهوك مليون و590 ألف دولار
  • الرئيس التركي:سنشارك بالضرب بالعراق قبل عيد الاضحى
  • امريكا تعلن مقتل الكويتي زعيم تنظيم خراسان قاتل رئيس مجلس الحكم عز الدين سليم ومحمد باقر الحكيم
  • الإعلانات

    صورة وتعليق

    وتحققت العدالة بين العبادي ومرجعه برتقالة وتفاحة وموزة بالتساوي !!

    صور تشييع يزيدي بسنجار تؤكد تصريحات أوباما بأن جبل سنجار آمن

    كان السارق يعترف بسرقته قبل توجهه للقسم بالعباس ..الآن يسرقون من مرافق صحية بمدرسة كربلائية!!

    التي أمام وزير الداخلية بالدائرة الحمراء بطلين ماء ولطن ما هذا بالدائرة اصفراء ومن أين استورده؟؟

    آخر بيان للدوام الجامعي بالموصل من قبل الدولة الاسلامية ..لاتعليق
    محرك البحث




    بحث متقدم

    اشترك لتحصل على آخر الأخبار

    جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة العراق الالكترونية
    برمجة وتصميم [ master4host ] باستخدام [arab-portal]

    تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي